القائمة الرئيسية

الصفحات

أفغانستان وإيران.. عداء قديم وتعاون جديد في مواجهة الشيطان الأكبر


عبدالعظيم الأنصاري


نحو ألف كيلو متر من الحدود الممتدة على مساحات متنوعة جغرافيًا وبيئيًا، تمتد الحدود بين أفغانستان وإيران على مناطق صحراوية قاحلة تتميز برياحها العاتية، في صحراء سيستان، ومناطق جبلية وعرة وهضاب خاصة في الأجزاء الشمالية منها، إضافة إلى نهر هلمند الذي يفصل جزء منه بين الدولتين.

ليس هذا فحسب ما يفصل البلدين، وإنما يفصل بينهما تاريخ طويل من العداء، الديني المذهبي، بين سنة أفغانستان الذين لهم امتدادات داخل إيران وشيعة إيران الذين لهم امتدادات داخل أفغانستان،

والعداء القومي السكاني، بين قبائل البشتون الأفغانية التي لها امتداداتها داخل إيران، والقبائل الفارسية الطاجيكية الإيرانية التي لها امتداداتها داخل أفغانستان، والعداء السياسي بين حركة طالبان الأفغانية السنّية الموصوفة بالمتشددة، ونظام الولي الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذو المرجعية الشيعية الموصوف كذلك المتشدد.

هناك شيء واحد مشترك يجمع بين الشتيتين بعدما ظنّا كل الظن ألا تلاقيا، إنه العداء للشيطان الأكبر، العداء للصهيونية الغربية.

لقد حارب المجاهدون الأفغان جيوش حلف الناتو وعلى رأسها الجيش الأمريكي وجها لوجه لأكثر من عقدين، كما بدأ النظام الإيراني الحالي ثورته على الشاه بتحدي الهيمنة الأمريكية، واقتحام السفارة الأمريكية في طهران، وأخذ من فيها رهائن؛ ربما تختلف الأيديولوجية وتختلف الأجندة، لكن العدو القوي المشترك ربما يوّحد الأهداف ولو مرحليًا.

الحدود الأفغانية مع كل من الصين من جهة الشرق وإيران من جهة الغرب

يتناول العديد من المحللين السياسيين على رأسهم المحلل الكويتي الدكتور عبدالله النفيسي، الحرب الأمريكية على إيران، كجزء من المساعي الأمريكية أساسًا لتقويض الصعود الصيني المتواصل، عبر قطع خطوط إمداد النفط عن الصين، من فنزويلا وإيران وغيرها والسيطرة على سوق الطاقة وحرمان بكين من مصادر الطاقة، ويعلم الجميع العلاقات الوثيقة القوية بين إيران والصين، إذ تستورد الصين حوالي 14% من إجمالي وارداتها النفطية من إيران، ما يشكل نحو 7% من إجمالي استهلاك الصين الكلي للنفط، وتشكل تلك النسب نحو 85% من إجمالي صادرات إيران النفطية، وبالتأكيد فإن التحالف الصيني - الإيراني لا يقتصر على مجال الطاقة والنفط، وإنما يتعدى ذلك إلى محور التعاون على تقويض الهيمنة المالية الغربية تدريجيًا عبر كسر العقوبات ودعم نظام مالي بديل، مثل استخدام اليوان الصيني مكان الدولار، واستخدام أنظمة دفع بديلة مثل CIPS محل نظام سويفت كود، واستخدام المقايضة (نفط مقابل سلع أو استثمارات)، إضافة إلى محور البنية التحتية والاستثمار، تشمل مجالات الطاقة والموانئ والسكك الحديدية، ودمج إيران في مبادرة الحزام والطريق الصينية، ما يجعل إيران عقدة لوجستية مهمة في المشروع الصيني، فضلا عن محور التعاون العسكري والتقني، والذي يتميز بالغموض والسرّية بعض الشيء، لكن المُعلن منه إجراء تدريبات ومناورات عسكرية بحرية مشتركة بالتعاون مع روسيا، وتبادل الخبرات في مجالات المسيرات والمراقبة والملاحة، ومحور التكنولوجيا والاتصالات إذ تشارك الشركات الصينية مثل هواوي في البنية الرقمية والاتصالية الإيرانية، وتقدم الخبرة الصينية في الأمن السيبراني والمراقبة.

وأخيرًا محور التحالف الجيوسياسي لمواجهة النفوذ الأمريكي، إذ تُعد إيران جزءًا من استراتيجية الصين لتأمين طرق الطاقة "مضيق هرمز"، ونقطة دعم متبادل في المحافل الدولية، ونقطة ارتكاز وتقاطع مصالح ضد الهيمنة الأمريكية.

من ناحية أخرى، لا تربط بين إيران والصين حدودًا مشتركة، لكن تحول بينهما كنقطة ارتكاز مباشرة إمارة أفغانستان الإسلامية، التي تحكمها حركة طالبان أفغانستان، المستمرة في حالة عداء كامل مع واشنطن، وتقع ضمن نفس الدائرة الحمراء الأمريكية، جنبًا إلى جنب مع إيران، وقد عبّرت أفغانستان على لسان المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد في فبراير الماضي قبيل الحرب، عن تضامنها ودعمها لإيران ضد أي تدخل أو هجوم أمريكي، معلنة استعدادها للوقوف بجانب طهران في حال تعرضها لعدوان.

في المقابل يزداد التواصل والتنسيق والتعاون الحذر يوما بعد يوم بين الأفغان والصينيين المهتمين بشدة بثروات أفغانستان من النحاس والليثيوم والمعادن النادرة، وبدأت بالفعل الاستثمارات الصينية في التدفق على أفغانستان، والتي شملت استثمارات في البنية التحتية تربط أفغانستان بمبادرة الحزام والطريق، تحوّل أفغانستان إلى نقطة ارتكاز تربط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا وكذلك نحو غرب آسيا عبر إيران.

شيئًا فشيئًا وبمرور السنين ازداد التبادل التجاري الأفغاني - الصيني، والتعاون في مجال الطاقة والنفط فضلا عن الحديث عن الاعتراف السياسي والدبلوماسي "البراغماتي" المتبادل.

بينما يجري الحديث عن تطوير ممر واخان الضيق الذي يصل إلى نحو 90 كم فقط، والذي يربط بين الصين وأفغانستان، ويُمكن أن يكون ممرًا لأي دعم صيني محتمل إلى إيران، استغلالا للحدود الأفغانية المشتركة مع الصين من ناحية الشرق، وإيران من ناحية الغرب.

على جانب آخر، فقد نظر العديد من المحللين إلى التحركات العسكرية الباكستانية ضد أفغانستان، على أنها بوازع أمريكي في الأساس، وذلك بهدف تشتيت طالبان أفغانستان ومنعها من الانخراط في الحرب إلى جانب إيران، إضافة إلى استنزافها أمنيا وعسكريا، لإضعافها باستمرار، وهو مطلب أمريكي مُلّح بعد الهزيمة الأمريكية النكراء على يد الأفغان الذين سيطروا على القواعد العسكرية الأمريكية في أفغانستان وعلى رأسها قاعدة باجرام الجوية، فضلا عن كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية النوعية تُقدر بنحو مليون قطعة سلاح فردي منوع، و40 ألف مركبة عسكرية، و78 طائرة ومروحية، وآلاف المدافع الثقيلة والخفيفة وأنظمة الدعم الناري وأجهزة رؤية ليلية واتصالات عسكرية وأنظمة بيومترية وغيرها الكثير.

كتلة ضخمة من العداء الكامل للهيمنة الأمريكية، تتصل إيران مع الصين عبر أفغانستان وباكستان، كما تتصل مع روسيا عبر بحر قزوين ما يتيح لها دعمًا لوجستيًا سريعًا في أوقات الحاجة

وبغض النظر عن التفاصيل، فإن الواقع يقول إن الشيطان الأكبر وجد نفسه أمام سلسلة ممتدة متصلة من الدول ذات العداء الحاد له بداية من كوريا الشمالية شرقًا مرورا بالصين وأفغانستان وإيران وصولا إلى العراق وسوريا ولبنان وقطاع غزة وما خفي أعظم.

اتصال جغرافي كبير من كوريا الشمالية مرورًا بالصين وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان وحتى قطاع غزة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نُشر في صحيفة الكرامة الخميس  23 أبريل 2026














أنت الان في اول موضوع
author-img
لكل منا طيفه الذي ما إن يبدأ أولى خطواته في الحياة ويمر بتجاربه الخاصة يتحوّل إلى أطياف متعددة نابعة من ذلك الطيف الأول، هنا أشارككم أطيافي وأحلامي وعوالمي.

تعليقات