القائمة الرئيسية

الصفحات

الغضب الملحمي الأمريكي في ميزان المكسب والخسارة


عبدالعظيم الأنصاري

بحسابات المكاسب والخسائر، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية مضطرة إلى خوض حرب ضد إيران؛ نعم تغير الوضع الجيوسياسي الإقليمي وربما العالمي بعد طوفان الأقصى، لكن حتى قبيل إطلاق العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران 28 فبراير 2026، كانت الأمور في ظاهرها على الأقل تصب في صالح العم سام تحديدًا، الذي كان يُمكنه الحفاظ على صورة فارض السلام وراعيه، وإعداد خطة جديدة تُعيد هندسة الشرق الأوسط بما يتوافق مع المصالح الأمريكية، كان يُمكنه استثمار وقف إطلاق النار في غزة، ولبنان، ودمج جميع الأطراف في مفاوضات طويلة الأمد يكون هو سيدها، وسيد "السلام" إن أراد حتى بالادعاء.


لكن العم سام فضّل في الغالب مصلحة الكيان الصهيوني على المصلحة الأمريكية نفسها، لأسباب يطول شرحها ليس أولها التقارب الأيديولوجي بين الإنجيليين المسيحيين والصهاينة اليهود، وليس آخرها ملفات إبستين، وقرر أن يغضب غضبًا ملحميًا يدعم به زئير الأسد الإسرائيلي الهائج.
انطلقت عملية الغضب الملحمي بضربات قوية ومركزة ودقيقة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حتى أنها أطاحت بالمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي أعلى قمة هرم السلطة في إيران، والكثير من القيادات العسكرية والمدنية والعلماء، فضلًا عن اختراق النظام الإيراني العميق، وتكبيده خسائر فادحة مادية وبشرية واستخباراتية وعلى كافة الأصعدة.



بعد أيام من بدء الغضب الأمريكي، والزئير الإسرائيلي، تفاجأ الجميع بالصمود الإيراني القاهر، إذ استمر النظام الإيراني في الرد وتوجيه الضربات في كل مكان وامتدت نار الحرب إلى 13 دولة حتى أن البعض اعتبرها مقدمة للحرب العالمية الثالثة، أو أنها حرب إقليمية كبرى، قد تحرق الأخضر واليابس.
والآن بعد وقف إطلاق النار الهش، الذي أصبح يُجدد كل أسبوعين تقريبًا، مع تسجيل بعض الخروقات هنا أو هناك، هل حقق الغضب الملحمي أهدافه المُعلنة؟
تمثلت أهداف الغضب المُعلنة في التالي: أولًا: إسقاط النظام الإيراني؛ ثانيًا: تدمير البرنامج النووي الإيراني؛ ثالثًا: تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني؛ رابعًا: وضع نظام تابع للهيمنة الأمريكية في إيران.
من الواضح أن الغضب الأمريكي لم يُحقق أي هدف من أهدافه حتى الآن، ولا هدف واحد فقط حتى، سوى مُجرد إحداث إضعاف وارتباك مؤقت في النظام الإيراني، الذي كما خسر الكثير، فإنه أوقف القوة العظمى الأقوى في العالم عند حدها، ومنعها من تحقيق كامل أهدافها في إيران، وكان لها ندًا بند.
خرج العم سام من الحرب وقد تعرّض لعدد من الخسائر تمثلت في التالي:
أولًا: اهتزت صورة الإمبراطورية الأمريكية كثيرًا أمام العالم وأمام القوى المتربصة بها.
ثانيًا: تأثر الاقتصاد الأمريكي والإسرائيلي والخليجي ومن ثم الاقتصاد العالمي بأزمة كبرى غير مسبوقة.
ثالثًا: تأثر الوضع الجيوسياسي للقوات الأمريكية حول العالم إذ تركز الوجود الأمريكي الآن في منطقة الشرق الأوسط، وخف كثيرًا في مناطق أخرى مهمة مثل المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي، حيث تايوان، التي ربما تشتغل في أي لحظة.
رابعًا: تأثر المخزون الاستراتيجي للقوات الأمريكية من الصواريخ والقنابل بشكل لافت ومفاجئ، ما يُعتبر ثغرة كبيرة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، تعني أن الإمبراطورية الكبرى لن تتحمل في الغالب أن تُحارب على جبهة أخرى إلى جانب الجبهة الإيرانية، فضلًا عن تناقص الدعم الأمريكي لأوكرانيا.
خامسًا: مضيق هرمز الذي كان قبل الحرب مفتوحًا أمام حركة الملاحة العالمية، بما فيها السفن الأمريكية المدنية والعسكرية، وحاملات الطائرات، أصبح الآن مغلقًا بأمر إيراني أمريكي مزدوج، وأصبح كارتًا إضافيًا في يد إيران لم تكن لتقترب منه لولا الغضب الملحمي الأمريكي، والزئير الإسرائيلي.



الأمور تعقدت عند هرمز وبدلًا من الحديث الأمريكي عن البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، أصبح الحديث جُلّه يدور حول هرمز، فتح المضيق وغلق المضيق، والحصار البحر حول المضيق، لقد انتهى الوضع إلى مأساة أمريكية بالدرجة الأولى، وإلى بداية حقيقية لنهاية الإمبراطورية الأمريكية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ







أنت الان في اول موضوع
author-img
لكل منا طيفه الذي ما إن يبدأ أولى خطواته في الحياة ويمر بتجاربه الخاصة يتحوّل إلى أطياف متعددة نابعة من ذلك الطيف الأول، هنا أشارككم أطيافي وأحلامي وعوالمي.

تعليقات