القائمة الرئيسية

الصفحات

غرينلاند.. من إبادة السكان الأصليين إلى التهديد بحرب إبادة جديدة

 


عبدالعظيم الأنصاري




غرينلاند.. الجزيرة الأكبر في العالم من حيث المساحة، كانت دائمًا على هامش التاريخ، فهي جزء من القطب الشمالي المتجمد حيث لا حركة، ولا حراك، التجمّد هنا سيد الموقف، ذكرت بعض المصادر الغربية أن شواطئ الجزيرة تعرضت في العصور الوسطى لموجات من غزو مقاتلي الفايكنج والذين سيطروا في تلك الحقبة على اسكندنافيا والكثير من شواطئ أوروبا الغربية حتى أنهم اشتبكوا مع المسلمين في الأندلس، وينسب لهم بعض الباحثين إنجاز اكتشاف العالم الجديد قبل كولومبوس بعدة قرون عن طريق غزوهم لشواطئ غرينلاند.

رغم البرد القارس، والأجواء القطبية، كان يعيش في الجزيرة مجموعة من السكان الأصليين الذين جاءوا عبر الهجرات الأولى للإنسان ما قبل التاريخ عن طريق آسيا في زمن كانت فيه آسيا متصلة بأمريكا الشمالية.

شهدت الجزيرة على مدى قرون مضت موجات من عمليات الإبادة الممنهجة للسكان الأصليين، والآن يُهدد الصراع الجيوسياسي الواسع عليها بنشوب حرب إبادة من نوع آخر.


أولى موجات الدنمارك على شواطئ غرينلاند


أرسل التاج الدنماركي - النرويجي المُبشّر هانس إيغده إلى غرينلاند العام 1721 بحجة البحث عن مستوطنات الفاينكج القديمة، ونشر المسيحية بين سكانها، وتحولت الحملة الدينية إلى نقطة بداية السيطرة الاستعمارية للدنمارك على الجزيرة، حيث أُنشئت مراكز تجارية ودينية خاضعة للتاج الدنماركي، وبدأت عملية إخضاع السكان الأصليين إداريًا واقتصاديًا.

العام 1814 وبناء على معاهدة كيل التي أنهت الحروب النابليونية، وعقابًا للتاج الدنماركي - النرويجي على دعم نابليون، انتقلت النرويج إلى حكم السويد، واحتفظت الدنمارك بجزر المملكة (غرينلاند - آيسلندا - جزر فارو).

العام 1953 ومع تعديل الدستور الدنماركي أُلغيت رسميًا صفة "المستعمرة" وأُعلنت غرينلاند جزءًا لا يتجزأ من مملكة الدنمارك، وجرى هذا الدمج من دون استفتاء شعبي حقيقي للسكان الأصليين، وترافق مع سياسات دمج قسري طمست اللغة والثقافة الإنويتية الأصلية للجزيرة.

العام 1979 أعطت الدنمارك حق الحكم الذاتي للجزيرة، ثم في العام 2009 وسعت منه واعترفت بشعب الإنويت، كما منحت حق تقرير المصير للجزيرة مستقبلًا دون تحديد خطة أو تاريخ، وبقيت السياسة الخارجية والدفاع والعملة بيد الدنمارك.



إبادة شعب الإنويت


تعرض شعب الإنويت السكان الأصليين لجزيرة غرينلاند لسياسات إبادة وحشية، منذ اللحظة الخطوة الأولى للمبشرين المسيحيين الدنماركيين على أرض غرينلاند بدأت سياسات فرض المسيحية اللوثرية، وتجريم وتحقير المعتقدات الروحية الإنويتية، وأعيد تعريف الزواج، والأسرة، وحتى الموت وفق النموذج الثقافي الأوروبي، ما أدى إلى انهيار منظومة القيم التقليدية، وفقدان دور الشيوخ والقيادات الروحية، وقطع الصلة الثقافية بين الأجيال.

طالت سياسات الإبادة الدنماركية جميع المجالات، فقد فرضت احتكارًا تجاريًا كاملًا ومنعت شعب الإنويت من التجارة الحرة أو حتى الاتصال بأي أطراف خارج الجزيرة، فحولت الجزيرة إلى سجن كبير مفتوح للشعب الأصلي.

ربطت الدنمارك الغذاء بالبضائع الأوروبية، وأضعفت الصيد التقليدي، ما أدى إلى وقوع مجاعات محلية متكررة، وتحوّل الإنويت إلى سكان معتمدين اقتصاديا بالكامل على الدنمارك حتى في غذائهم البسيط.

هل يُمكن أن يكتفي المستعمر الأوروبي بهذا ؟ بالطبع لا.. شهد القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إدخال أمراض جديدة على سكان الجزيرة لم تكن أجسامهم تعرف كيف تقاومها، فكانت أوبئة شاملة أبادت منهم الكثير، وباء الجدري، وباء السل، والعديد من أوبئة الأمراض التنفسية، وكانت الدنمارك مع كل وباء جديد تترك السكان الأصليين ومصيرهم وقدرة تحمل أجهزتهم المناعية دون أي رعاية صحية أو حتى فرض حجر صحي أو ما شابه.

جرى تجميع الإنويت في مستوطنات ثابتة، ومُنع تنقلهم الموسمي الذي اعتادوا عليه منذ قرون بين أطراف الجزيرة، وفُرض عليهم نمط العمل الأوروبي.

استُخدم التعليم كأداة استعمارية ماحية للثقافة والذاكرة، فمُنعت لغة الإنويت، ودُرّست اللغة الدنماركية فقط، وتربى الأطفال على احتقار ثقافتهم.

العام 1951، أقدمت الدنمارك على نقل 22 طفلًا من الإنويت من عائتهم في غرينلاند إلى الدنمارك، ما عُرف بـ "تجربة الدنماركيين الصغار"، تحت ذريعة تعليمهم وتكوين نخبة مستقبلية؛ هؤلاء الأطفال حُرموا من التحدث بلغتهم الأصلية، وأُجبروا على التكيف مع الثقافة الدنماركية، وما لبث أن مات نصفهم في سن مبكرة نتيجة آثار نفسية وصحية، بينما فقد الباقون روابطهم العائلية والثقافية.

وفي تقرير لصحيفة "تركيا تو داي" تحت عنوان "شبح الإمبراطورية الدنماركية: انتفاضة غرينلاند ضد التطهير الثقافي للإنويت"، سُلط الضوء على جريمة إبادة جماعية بشعة، إذ فرضت الدنمارك برامج للسيطرة على الإنجاب على الإنويت، بين عامي 1960 و1970، حيث زرعت أجهزة لمنع الحمل داخل أرحام آلاف النساء والفتيات من شعب الأنويت دون علمهن، بهدف خفض معدلات الولادة في المجتمع الأصلي.

وفقًا لتقرير آخر لصحيفة الغارديان البريطانية، اعترفت الحكومة الدنماركية بأنها ارتكبت هذه السياسات القمعية، وأعلنت آليات للتعويض للمتضررين، من بينها برامج تعويض لأكثر من 4 آلاف و500 امرأة تعرضت لزرع أجهزة منع حمل دون علمهن أو موافقتهن، في الوقت الذي وصف فيه بعض السياسيين في غرينلاند هذه الاعترافات بأنها خطوة رمزية نحو العدالة، رأى آخرون أنها لا تكفي لتصحيح تاريخ طويل من العنف الممنهج.



ذوبان الجليد والصراع الجديد


مع تغير المُناخ وذوبان الجليد يتحول القطب الشمالي تدريجيًا من منطقة نائية على أطراف العالم إلى محور أساسي بين القارات، بل إلى قلب العالم الجديد، الذي سيختصر المسافات بين الشرق والغرب حتى أن قناة مائية في القطب الشمالي يُمكنها اختصار رحلة من الصين إلى بريطانيا مرورًا بقناة السويس، شهر أو أكثر عند المرور بقناة السويس إلى حوالي 20 يومًا فقط عند المرور بالقطب الشمالي، ومن حوالي 20 ألف كم عند المرور بقناة السويس إلى حوالي 12 ألف كم عند المرور بالقطب الشمالي، وفقًا لقياسات محاكاة محددة بالذكاء الاصطناعي.

عندما يذوب الجليد يكشف عن ثروات طبيعية هائلة من معادن نفيسة، ونفط، وغاز طبيعي، وغيرها، ما يحول القطب الشمالي إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين، وهكذا أصبحت السيطرة على جزيرة غرينلاند رهانًا استراتيجيًا يمنح تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا عظيمًا، ما يعكسه اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على الجزيرة.

تصاعد الجدل بشأن مستقبل الجزيرة، في ظل التهديدات الأمريكية المتواصلة بالسيطرة عليها بأية طريقة، ما يُظهر كيف لنزاع حول إقليم واحد أن يُضعف تحالفات دولية عملاقة كحلف شمال الأطلسي "ناتو"، ويُعمق الانقسامات داخل المنظومات القائمة.

في هذا السياق حذّر عدد من الخبراء من أن أي محاولة لاحتلال غرينلاند بالقوة أو تجاوز سيادة الدنمارك قد تقوّض الثقة بين الدول الحليفة وتفتح الباب لمنافسات أوسع بين الولايات المتحدة وأوروبا وحتى روسيا والصين، ما يجعل من النزاع حول غرينلاند شرارة محتملة لصراع عالمي أوسع يتجاوز الحدود الإقليمية التقليدية، ويُهدد بحرب إبادة جديدة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نُشر في صحيفة الكرامة الخميس 12 فبراير 2026






أنت الان في اول موضوع
author-img
لكل منا طيفه الذي ما إن يبدأ أولى خطواته في الحياة ويمر بتجاربه الخاصة يتحوّل إلى أطياف متعددة نابعة من ذلك الطيف الأول، هنا أشارككم أطيافي وأحلامي وعوالمي.

تعليقات