عبدالعظيم الأنصاري
تغيرت طبيعة الحروب عبر التاريخ في العديد من المحطات المفصلية التي استخدم فيها الإنسان أسلحة لم يستخدمها من قبل، مثل استخدام الجيش البريطاني للدبابات الحديثة لأول مرة في التاريخ في معركة السوم سبتمبر 1916، في الحرب العالمية الأولى، أو استخدام الجيش الإيطالي للطائرات لأول مرة في التاريخ، في حربه ضد الدولة العثمانية سنة 1911، وتحديدًا ليبيا التي شهدت أول قصف جوي في التاريخ.
لاشك أن أي دخول لسلاح جديد يُعد بمثابة صفحة جديدة في التاريخ العسكري العالمي، لكن ليس أي سلاح بالطبع، فهناك أسلحة كالدبابات والطائرات وأسلحة الدمار الشامل، غيرت الكثير من المفاهيم، بل غيّرت طبيعة الحروب نفسها، ومن أكثر الأسلحة التي غيّرت وجه الحروب الحديثة إلى الأبد الطائرات بدون طيّار.
بدأت الفكرة مبكرًا مع بداية القرن العشرين، لكنها لم تُستخدم فعليًا على نطاق واسع سوى على يد الجيش الأمريكي في حرب فيتنام، ستينيات القرن الماضي، وكانت لأغراض الاستطلاع فقط، ثم استخدمها الكيان الصهيوني على نطاق موسع في حرب لبنان 1982.
لقد تحولت الحرب الحديث من مواجهة بين أساليب القتال والتكتيكات العسكرية، إلى مواجهة بين علماء يطورون تقنيات أحدث وأكثر ذكاء لإحداث أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو، باستخدام أقل عدد من الجنود أو العامل البشري، ما أدى بدوره إلى تحوّل المواجهة الاستراتيجية الكبرى بين القوى الإقليمية والعالمية إلى مواجهة بين شركات تطوير الأسلحة التي يعمل بها العلماء كجنود حقيقيين.
في السابق وحتى العقد الأول من القرن الحالي، كان المساهمون يراهنون على شركات الدفاع الأمريكية العريقة لتحقيق أكبر مكسب ممكن، فهي الأقل مخاطرة والأكثر ربحًا، لكن الآن ومع تغير أنماط تقنيات الدفاع وتزايد أهمية الطائرات بدون طيار، وتقنيات المراقبة بالأقمار الاصطناعية، والأسلحة الكهرومغناطيسية، وغيرها من التقنيات التي غيّرت كثيرًا من طبيعة الحرب الحديثة، شهدت شركات صغيرة وحديثة العهد بالعمل في المجال ارتفاعًا في أسعار أسهمها إلى الضعف على الأقل في عام، مع تفاؤل في الأسواق بتحقيقها نموًا سريعًا في الأرباح، مثل شركة كراتوس للدفاع والأمن وشركة بالانتير للتكنولوجيا الأمريكيتين وغيرهما، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية.
ذكر تقرير لوكالة بلومبيرغ الأمريكية، بعنوان "تحوّل في أساليب الحرب الحديثة يحوّل شركات الدفاع إلى أسهم نمو"، "Shift in Modern Warfare Turns Defense Firms Into Growth Stocks" إن الشركات العسكرية الصغيرة تجذب نوعًا جديدًا من مستثمري الأسهم، ممن يتقبلون نوع المخاطرة الشائع في العملات المشفرة أو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وما يُعزز هذا التوجه تبني العديد من شركات التكنولوجيا العسكرية للذكاء الاصطناعي بدءًا من تحليل الصور في شركة بلانت لابس، وصولًا إلى عمل شركة بالانتير على أدوات تحديد الأهداف في ساحة المعركة.
أشار تقرير الوكالة الأمريكية إلى أن حرب أوكرانيا سرّعت من وتيرة الاهتمام بمدى تغير أساليب الحرب، نقلًا عن المحلل جوناثان سيغمان.
وأوضح بنجاردان غارتنر، رئيس قسم الأسهم في مجموعة DWS، ذراع إدارة الأصول التابعة لدويتشه بنك، أن الجيوش ستحوّل ميزانياتها من المعدات الحربية التقليدية، كالدبابات والمركبات المدرعة الأخرى، إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأضاف أنه ينبغي على المستثمرين تعديل استثماراتهم وفقًا لذلك، مشيرًا إلى أن تغيير أولويات الحكومات سيعود بالنفع على الشركات في الولايات المتحدة والصين؛ وربما حتى في بعض الدول الأخرى المهتمة بالصناعات الدفاعية مثل تركيا وباكستان، والهند، والكيان الصهيوني، ما قد يخلق بيئة جديدة بالكلية للصناعات الدفاعية المستقبلية، ومخاطر أكبر بالنسبة للمساهمين الصغار في تلك الشركات الناشئة أو هؤلاء الذين اعتادوا شراء الأسهم في شركات الدفاع الأمريكية العملاقة المعروفة مثل لوكهيد مارتن، وبوينغ، وجنرال دايناميكس، وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نُشر في صحيفة الكرامة الخميس 01 يناير 2026

تعليقات
إرسال تعليق