عبدالعظيم الأنصاري
كفيلم هوليودي سخي الإنتاج، يظهر في إعلانه الفيل الجمهوري الأمريكي، وأحيانًا الحمار الديمقراطي، وما هما إلا حجرين في لعبة العم سام، يظهران في صراع دامٍ أمام التنين الصيني العملاق الهادئ، الذي يعمل منذ عقود من أجل لحظة انقضاض لم تحن بعد على النظام الدولي، لحظة يرتعد منها الأمريكي أكثر من أي أحد آخر على سطح الأرض.
في الخلفية ملفات خلافية عديدة، تايوان، الرقائق الإلكترونية، سباق التسلح، سباق الفضاء، سباق التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وغيرها.
بينما تطفو على السطح ملفات مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، حقوق الأقليات، ومن بينها الأويغور المسلمين، وغيرها.
دائمًا يكون "المسلمون" عنصر اتفاق لدى القوى الدولية المتصارعة، في الشيشان، ارتفعت الإدانات الغربية لممارسات موسكو، لكنها لم تحرك ساكنًا، وفي البوسنة والهرسك، انتظرت واشنطن عجز أوروبا لكي تتدخل في الوقت المناسب لها، لوقف الانتهاكات بحق المسلمين هناك ولو ببطء يُثبت قوة الردع الأمريكية في مقابل الوهن الأوروبي.
وها هو الأمر يتكرر مع مسلمي الأويغور، إذ تُتهم جامعات أمريكية رائدة بالتعاون المكثف مع مختبرات صينية تُطوّر تقنيات يُمكن نشرها أو تكييفها لاستخدامها في نظام IJOP أو ما يُعرف بـ منصة العمليات المشتركة المتكاملة، لمراقبة الأويغور.
وردت هذه الاتهامات في تقرير صادر عن شركة ستراتيجي ريسكس، وهي شركة استشارية متخصصة في المخاطر الجيوسياسية بالتعاون مع مؤسسة حقوق الإنسان، والذي أفاد بأن مختبرين صينيين للذكاء الاصطناعي، شاركا في تأليف نحو 3 آلاف ورقة بحثية مع باحثين غربيين منذ العام 2020 بتمويل حكومي أمريكي في كثير من الأحيان، ومن بين تقنيات المراقبة المتقدمة التي طورتها هذه المختبرات تتبع الأهداف المتعددة، والتعرف على المشية، والكشف بالأشعة تحت الحمراء، مع العلم أن مختبر تشجيانغ ومعهد شنغهاي لأبحاث الذكاء الاصطناعي عنصرين أساسيين في منظومة الدفاع والأمن الصينية.
ووفقًا لما ذكره إيان ويليامز في مقال له في منصة سبكتاتور الأمريكية، تحت عنوان "المعركة لوقف مساعدة الجامعات الأمريكية للقمع الصيني"، فقد قام الباحثون بفحص عشرات الآلاف من المنشورات وسجلات المنح والوثائق المؤسسية للفترة من 2020 إلى 2025.
وجد الباحثون أن مقاطعة تشجيانغ تعاونت مع جامعة هارفارد في مجال البصريات المتقدمة ورؤية الحاسوب، ومع جامعة برينستون في مجال تقنيات التتبع، ومع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في مجال التقنيات الأساسية لأنظمة التصوير والاستشعار التي يمكن استخدامها في الاستطلاع العسكري والمراقبة عبر الأقمار الصناعية والرصد البيومتري. وقد حظي بحث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بدعم من وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، وهي وكالة بحثية تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية.
التعاون الأمريكي - الصيني ضد مسلمي الأويغور وصل إلى حد بعيد جدًا في الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن علنًا عن مخاوفها إزاء العدو الصيني، وسياساته الداخلية والإقليمية والعالمية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت عصيب بالنسبة للجامعات الأمريكية المرموقة، التي واجهت تدقيقًا مكثفًا من إدارة ترامب. وينص مشروع قانون قيد المناقشة في الكونغرس على منع الباحثين المرتبطين بالصين أو غيرها من الدول التي تُعتبر معادية من الحصول على تمويل فيدرالي. وقد أقرّ مجلس النواب قانون "SAFE Research Act" الشهر الماضي، ومن المتوقع إقراره نهائيًا قبل نهاية العام. ويهدف القانون، بحسب جون مولينار، رئيس اللجنة المختارة في مجلس النواب المعنية بالحزب الشيوعي الصيني، إلى "منع التمويل الفيدرالي [للعلم] من الوصول إلى الجامعات أو الباحثين الذين يتعاونون مع الجيش وأجهزة الاستخبارات الصينية".
ويقود أكاديميون بارزون من جامعة ستانفورد حملاتٍ موجهة إلى الكونغرس لإلغاء القانون. "علينا استقطاب أفضل الكفاءات من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك من الصين، والاحتفاظ بها. إن قدرتنا على تحقيق ذلك، وتعزيز التعاون الدولي المسؤول والمثمر، أمر بالغ الأهمية الآن وفي المستقبل المنظور"، وفقًا لرسالة وقّعها أكثر من 700 أكاديمي.
صرّح ستيفن كيفيلسون، أستاذ الفيزياء بجامعة ستانفورد الذي نظّم الرسالة، لمجلة ساينس بأن بحثه حول حالات المادة الكمومية يعتمد على الخبرة الصينية، ولا توجد له تطبيقات عسكرية في المستقبل القريب، "لكن الإطار الزمني طويل جدًا لدرجة أنه من السخف الاعتقاد بضرورة إبقائه سرًا".
الواقع أن العم سام يواجه معضلة صينية كبرى، لكنه ربما غير مدرك تمامًا لأبعاد الخطر الصيني، الذي اخترق الوسط البحثي العلمي والأكاديمي الأمريكي في أكثر المجالات حساسية للأمن القومي للعدوين اللدودين، وهو ما يصفه إيان ويليامز بأنه استفادة الصين من جشع وسذاجة النخبة الأكاديمية والعلمية الأمريكية، سواء في قضايا تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، مثل حالة الأويغور، أو حتى في قضايا تمس الأمن القومي الأمريكي نفسه.
ويبدو أن العم سام أصيب بجنون العظمة الرهيب الذي لا تُصاب به الإمبراطوريات العظمى قبل سقوطها، إذ رغم أنه يرى بعين الخطر الصيني المحدق على الأمن القومي الأمريكي، فإنه يرى بعين أخرى التفوق الأمريكي الصارخ على جميع حضارات الأرض، ما يجعله يستهين بأي قوة صاعدة مهما كانت سرعة صعودها، حتى لو كانت الصين.
______________________________________________________
نُشر في صحيفة الكرامة الخميس 10 ديسمبر 2025

تعليقات
إرسال تعليق